القرطبي
160
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الأولى - قوله تعالى : " فيه " الهاء في " فيه " في موضع خفض بفي ، وفيه خمسة أوجه ، أجودها : فيه هدى ويليه فيه هدى ( بضم الها بغير واو ( 1 ) ) وهي قراءة الزهري وسلام أبي المنذر . ويليه فيهى هدى ( بإثبات الياء ) وهي قراءة ابن كثير . ويجوز فيهو هدى ( بالواو ) . ويجوز فيه هدى ( مدغما ) وارتفع " هدى " على الابتداء والخبر " فيه " . والهدى في كلام العرب معناه الرشد والبيان ، أي فيه كشف لأهل المعرفة ورشد وزيادة بيان وهدى . الثانية - الهدى هديان : هدى دلالة ، وهو الذي تقدر عليه الرسل وأتباعهم ، قال الله تعالى : " ولكل قوم هاد ( 2 ) " [ الرعد : 7 ] . وقال : " وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ( 3 ) " [ الشورى : 52 ] فأثبت لهم الهدى الذي معناه الدلالة والدعوة والتنبيه ، وتفرد هو سبحانه بالهدى الذي معناه التأييد والتوفيق ، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم : " إنك لا تهدي ( 4 ) من أحببت " [ القصص : 56 ] فالهدى على هذا يجئ بمعنى خلق الايمان في القلب ، ومنه قوله تعالى : " أولئك على هدى من ربهم " [ البقرة : 5 ] وقوله : " ويهدي من يشاء " [ فاطر : 8 ] والهدى : الاهتداء ، ومعناه راجع إلى معنى الارشاد كيفما تصرفت . قال أبو المعالي : وقد ترد الهداية والمراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان والطرق المفضية إليها ، من ذلك قوله تعالى في صفة المجاهدين : " فلن يضل أعمالهم ( 5 ) . سيهديهم " [ محمد : 4 - 5 ] ومنه قوله تعالى : " فاهدوهم إلى صراط الجحيم ( 6 ) " [ الصافات : 23 ] معناه فاسلكوهم إليها . الثالثة - الهدى لفظ مؤنث قال الفراء : بعض بني أسد تؤنث الهدى فتقول : هذه هدى حسنة . وقال اللحياني : هو مذكر ، ولم يعرب لأنه مقصور والألف لا تتحرك ، ويتعدى بحرف وبغير حرف وقد مضى في " الفاتحة ( 7 ) " ، تقول : هديته الطريق وإلى الطريق والدار وإلى الدار ، أي عرفته . الأولى لغة أهل الحجاز ، والثانية حكاها الأخفش . وفي التنزيل : " اهدنا الصراط المستقيم ( 7 ) " و " الحمد لله الذي هدانا لهذا ( 8 ) " [ الأعراف : 43 ] وقيل : إن الهدى اسم من أسماء النهار ، لان الناس يهتدون فيه لمعايشهم وجميع مأربهم ، ومنه قول ابن مقبل :
--> ( 1 ) أي بعد الهاء من ( فيه ) . ( 2 ) راجع ج 9 ص 285 ( 3 ) راجع ج 16 ص 60 ( 4 ) راجع ج 13 ص 299 ( 5 ) راجع ج 16 ص 230 ( 6 ) راجع ج 15 ص 73 ( 7 ) راجع ص 146 من هذا الجزء . ( 8 ) راجع ج 7 ص 208